top of page

تقرير شهر أبريل 2026

  • 15 مايو
  • 4 دقيقة قراءة

يعكس شهر أبريل 2026 استمرار التدهور في مسار الأزمة، إذ لم يشهد تحسنًا جوهريًا، بل اتسم بتراكم الضغوط على المدنيين، وتوسع آثار الحرب خارج نطاق المواجهات العسكرية المباشرة، لتطال المجال السياسي، والحريات العامة، والأسواق، والخدمات، والنزوح، والصحة، والتعليم. 

سياسيًا وأمنيًا، شهد شهر أبريل تداخلًا واضحًا بين الحراك السياسي الخارجي والتصعيد العسكري الداخلي. فقد برز المؤتمر الدولي الثالث حول السودان في برلين يوم 15 أبريل بوصفه الحدث السياسي الأبرز، في ظل غياب طرفي النزاع المباشرين عنه، واستمرار الجدل حول جدوى المسارات الخارجية في ظل محدودية الفعل السياسي المدني داخل البلاد. وفي الوقت نفسه، استمر التصعيد العسكري في ولايات كردفان ودارفور والنيل الأزرق، مع تواصل استخدام الطائرات المسيّرة من قبل أطراف الحرب، واتساع نطاق الانفلات الأمني والصراعات القبلية، خاصة في ولايات دارفور. كما شهدت ولايات أكثر استقرارًا نسبيًا احتجاجات مطلبية مرتبطة بتدهور الخدمات، لا سيما الكهرباء والوقود والخبز. 

وعلى مستوى حقوق الإنسان وحماية المدنيين، عكس الرصد استمرار تدهور البيئة الحقوقية في عدد من الولايات، من خلال تقييد الحريات العامة، واستمرار الاعتقالات التعسفية، ومداهمة الفعاليات، وتهديد الناشطين، وتوسيع المظاهر الأمنية داخل المجال المدني. كما سُجلت انتهاكات مباشرة ضد المدنيين شملت القتل، والاستهداف بالمتفجرات، والتهجير القسري، والاختطاف وطلب الفدية، والانتهاكات المرتبطة بالنوع الاجتماعي، إلى جانب أخطار الذخائر غير المنفجرة داخل المناطق السكنية. وتوضح هذه الأنماط أن المدنيين ما زالوا يدفعون الكلفة الأوسع للحرب، سواء في مناطق العمليات العسكرية أو في الولايات التي تشهد سيطرة أمنية مشددة وانفلاتًا في آليات المساءلة. 

اقتصاديًا، برزت أزمة الوقود خلال أبريل 2026 بوصفها أحد المحركات الأساسية لتدهور الأوضاع المعيشية، إذ انعكست على أسعار السلع، وتعرفة المواصلات، وحركة الأسواق، والتحضيرات الزراعية، وحصاد بعض المحاصيل. كما اتسعت الفجوة بين النقد والتحويلات البنكية في بعض الولايات، وبرزت أزمة السيولة في شرق دارفور بصورة واضحة عبر عمولات “بنكك” والكاش. وفي دارفور وكردفان والنيل الأزرق، ظل الاقتصاد أكثر هشاشة بفعل القيود على الحركة، وتراجع سلاسل الإمداد، وضعف أو غياب العمل المصرفي، وتوسع التعامل بالعملات الأجنبية. كما مثل حريق سوق موقف الجنينة في نيالا، وتوقف أكثر من 400 مخبز في كسلا، واستمرار توقف المنطقة الصناعية في بحري، مؤشرات إضافية على هشاشة البنية الاقتصادية والخدمية. 

اجتماعيًا، أظهر رصد أبريل اتساع مؤشرات الضغط الاجتماعي في عدد من الولايات. فقد تصاعد خطاب الكراهية على أسس سياسية وعرقية وجهوية، بالتوازي مع حوادث نهب وإطلاق نار عشوائي وجرائم قتل وانتشار جزئي للمخدرات في بعض المناطق. وبرزت شمال كردفان بوصفها إحدى المناطق الأكثر هشاشة اجتماعيًا، مع رصد مؤشرات خطيرة مثل انتشار المخدرات، والزواج قصير الأمد، والتخلي عن أطفال حديثي الولادة، وتنامي التسول، خاصة بين النساء والأطفال. وفي المقابل، استمرت بعض أشكال التكافل والتدخلات المجتمعية المحدودة، مثل التكايا والمطابخ المجتمعية في الخرطوم، والجهود الشعبية لدعم الكهرباء في بعض قرى الجزيرة، وزيارة وزيرة الشؤون الاجتماعية التابعة لحكومة تأسيس في جنوب دارفور لسجن النساء بنيالا وما رافقها من إجراءات إنسانية. 

إنسانيًا، واصلت أوضاع النازحين واللاجئين التدهور في عدد من الولايات، مع تفاوت واضح بين مناطق شهدت استقرارًا نسبيًا وتدخلات محدودة، مثل نهر النيل والنيل الأبيض والقضارف، ومناطق أخرى واجهت موجات نزوح متكررة ونقصًا حادًا في الغذاء والمياه والصحة والحماية، خاصة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وسنار وكسلا. وسُجلت صعوبة في حصر النازحين، وضعف في الدعم الموجه للنازحين خارج مراكز الإيواء، وتزايد الاعتماد على التكافل الاجتماعي والمطابخ المجتمعية. وفي شمال دارفور، بلغت الأوضاع في محلية الطينة والمناطق المجاورة مستوى بالغ الخطورة، مع نزوح متكرر، ومقتل أكثر من 103 مدنيين، وتضرر نحو 5,700 أسرة. كما فاقم توقف المطابخ المشتركة في نيالا من خطر الجوع بين النازحين، بينما شكل وجود أكثر من 21 ألف نازح في رهيد البردي ضغطًا إضافيًا على الخدمات الأساسية. 

صحيًا، أظهر التقرير استمرار تآكل قدرة النظام الصحي في عدد من الولايات، خاصة مناطق النزاع والهشاشة. فقد تكررت مشكلات نقص أدوية الأمراض المزمنة، وارتفاع كلفة العلاج، ونقص الكوادر، وتكدس المرافق الصحية، وانتشار الأوبئة والأمراض الموسمية. وفي كسلا، عكست حادثة وفاة المواطنة أسماء علي العوض أثناء عملية جراحية في ظل انقطاع الكهرباء وتعطل المولد حجم التدهور في بيئة المستشفيات. كما استمرت أزمات الدواء والإنسولين والمحاليل الوريدية في الخرطوم، وانتشرت الحصبة في جنوب وشرق دارفور، بينما شهدت غرب كردفان وجنوب كردفان مؤشرات خطيرة مرتبطة باستهداف أو هشاشة المرافق الصحية. وفي المقابل، سُجلت تدخلات صحية محدودة في البحر الأحمر والقضارف والنيل الأبيض والجزيرة، لكنها ظلت أقل من حجم الاحتياجات. 

أما التعليم، فقد ظل يعكس واحدة من أكثر صور التفاوت بين الولايات. ففي بعض الولايات المستقرة نسبيًا، مثل الشمالية والبحر الأحمر والقضارف والنيل الأبيض، استمرت الامتحانات الرسمية أو العملية التعليمية بدرجات متفاوتة. غير أن مناطق النزاع والنزوح، خاصة دارفور وكردفان والخرطوم وسنار، واجهت تعثرًا واضحًا بفعل النزاع، ونقص المعلمين، وشح الكتب، وضعف البيئة المدرسية، وتحويل بعض الطلاب إلى ولايات أو دول أخرى لأداء الامتحانات. كما تكشف المعطيات أن استمرار التعليم في عدد من المناطق بات يعتمد بصورة متزايدة على المبادرات المجتمعية والجهود الشعبية، في ظل محدودية الدعم المؤسسي. ويظل حرمان أعداد كبيرة من الطلاب من الوصول العادل إلى امتحانات الشهادة السودانية والخدمات التعليمية مؤشرًا خطيرًا على تعمق الفاقد التعليمي واتساع الفجوة بين الولايات. 

يكشف تقرير أبريل 2026 أن تداعيات الحرب في السودان لم تعد آثارًا قطاعية منفصلة، بل أزمة مركبة تتفاعل فيها السياسة مع الأمن، والاقتصاد مع النزوح، والصحة مع التعليم، وخطاب الكراهية مع تآكل الحماية المجتمعية. وتؤكد المعطيات أن أي استجابة فعالة لهذه التداعيات لا يمكن أن تقتصر على المعالجة الإنسانية العاجلة وحدها، بل تتطلب مسارًا متكاملًا يربط حماية المدنيين، ووقف التصعيد العسكري، وضمان الحريات، ودعم سبل العيش، واستعادة الخدمات الأساسية، وتوسيع الرصد والمساءلة، وإحياء مسار سياسي جاد يستجيب لواقع الأزمة على الأرض. 

 


 
 
bottom of page